أحمد بن محمد المقري التلمساني
261
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وكتب ناصر الدين صاحب دواوين الإنشاء ما صورته : وقفت على هذا الكتاب الذي أشبه الدر في انتظامه ، والثغر في ابتسامه ، وقطر الندى في انسجامه ، وزهر الروض في البكر « 1 » إذا غنت على غصونه مطربات حمامه ، فوجدت بين اسمه ومسماه مناسبة اقتضاها طبع مؤلفه السليم ، واتصالا قريبا كاتصال الصديق الحميم ، فتحققت أن مؤلفه - أبقاه اللّه تعالى وحرسه ! - أبدع في تأليفه ، وأصاب في تمييزه بهذا الاسم وتعريفه ، فهو في اللطافة كالماء في إروائه ، وكالهواء المعتدل في ملاءمة الأرواح بجوهر صفائه ، وكالسلك إذا انتقى جوهره وأجيد في انتقائه ، قد أينعت ثمرات فضائله فأصبحت دانية القطوف ، وتجلت عرائس بلاغته فظهر بدرها بلا كسوف ، وانجابت ظلمات الهموم بسماع موصول مقاطعه التي هي في الحقيقة لآذان الجوزاء شنوف ، فأكرم به من كتاب ما الروض بأبهى من وسيمه ، ولا الرّيحان بأعطر من شميمه « 2 » ، ولا المدامة بأرق من هبوب نسيمه ، ولا الدر بأسنى زهرا بل زهوا من رسومه ، إذا تدبره الأديب أغنته تلك الأفانين ، عن نغمات القوانين ، وإذا تأمله الأريب نزه طرفه في رياض البساتين ، قد سوّر على كل نوع من البديع باب ، لا يدخله إلا من خص من البلاغة باللّباب « 3 » ، واللّه تعالى يؤتيه الحكمة وفصل الخطاب ، ويمتع بفضائله التي شهدها أهل العلم وذوو الألباب ، بمنه وكرمه ، وكتبه محمد بن يعقوب الشافعي . وكتب الصفدي شارح لامية العجم بما نصه : وقفت على هذا المصنف الموسوم بنسيم الصبا ، والتأليف الذي لو مرّ بالمجنون لما ألف ليلاه ولا مال إليها ولا صبا ، والإنشاد الذي إن شاء قائله جعل الكلام غيره في هبّات الهواء هبا ، والنثر الذي أغار قائله على سبائك الذهب الإبريز « 4 » وسبا ، والكلام الذي نبا عنه الجاحظ جاحدا وما له ذكر ولا نبا « 5 » ، فسبّحت جواهر حروفه لمن أوجده في هذا العصر ، وعلمت أن ألفاظه ترمي قلوب حساده بشرر كالقصر ، وتحققت أن قعقعة طروسه أصوات أعلامه التي تخفق له بالنصر ، وتيقنت أن سطوره غصون لا تصل إليها كف جناية بجنّى ولا هصر : [ بحر الطويل ] وقلت لأهل النظم والنثر قابلوا * ( ترائبها مصقولة كالسجنجل ) « 6 » وميلوا بأعطاف التعجب إنها * ( نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل ) « 7 »
--> ( 1 ) البكر : جمع بكرة ، وهي الغدوة . ( 2 ) الشميم : الرائحة الطيبة . ( 3 ) اللباب : الخالص من كل شيء . ( 4 ) الذهب الإبريز : الذهب الخالص الصافي . ( 5 ) ولا نبا : ولا نبأ مهموز ، مخففة لأجل السجعة . ( 6 ) عجز البيت من معلقة امرئ القيس ، والسجنجل : المرآة . ( 7 ) عجز البيت من معلقة امرئ القيس أيضا .